علي بن أحمد بن علي بن هبل البغدادي ( ابن هبل )
100
كتاب المختارات في الطب
بالتمييز والعقل المدبّر استغنى عن هذه الكسوة بما يحصله ويعلمه بصنائعه من أنواع الكسوة فاعطي من ذلك ما يجري له مجرى الزينة والتحسين وإن كان يحصل بها الدفاء والوقاية في بعض الأعضاء كشعر الرأس للتدفؤ وحفظ الحرارة الغريزية لأن طبع الدماغ بقياس الأعضاء الآخر كما علمت بارد يتأذى سريعاً من البرد فصرف الخالق عز وجل العناية بتسخير الطبيعة في كسوته بالشعر اللائق لدفائه وزينته ، والحواجب التي هي كالسكرجة المانع لما ينحدر من العرق والوسخ إلى العين فينصرف عنهما يميناً ويساراً مع ما فيه من الحسن والجمال وكذلك هدب العين لما لعله يطير من الغبار والهشيم ، وكما في باطن الانف من الشعر الذي يقف في وجه الهواء الداخل بالاستنشاق فيصفيه عن الغبار وتراه يجتمع عليه وينعقد نغفاً ( « 1 » ) فيقطعه ( « 2 » ) الإنسان في كل وقت وكاللحية التي ميز بها الخالق تعالى بين الذكر من الإنسان والأنثى وجعلها زينة ولأن الإنسان إذا احتال بحسنه وفطنته إلى أن يتخذ لنفسه الكسوة بقي من بدنه ما هو مكشوف كالأطراف والرقبة أما الأطراف فلتتجرد للحركات . وأما الرقبة وشرف الصدر فاللحية تستره من البرد بتراقي الأبخرة وانعكاسها باللحية على أعالي الصدر فلا يقافص البرد فيؤذي ولأن ما يفضل من الأبخرة المعقدة شعراً في الرأس يكر راجعاً متجللًا في خلل الأعضاء الأكثر لحمية كأنما يستدير في طرف الوجه متحللًا فينعقد شعراً ولذلك يتلبس ( « 3 » ) على الصدر والبطن من فضلات الهضوم ويدفئ وعلى جميع اجزاء المنافذ من الإنسان يتعقد تابعاً لحركة المواد والفضلات إلى تلك الجهات وقد يكثر في بعض الناس حتى يكاد يغطي بشرته الا في المواضع المتفرقة من اللحم ولذلك يفرط تحلل مواد الشعر بحسب المزاج المناسب لتولد الشعر فهذا
--> ( 1 ) ( ) النغف : ما يخرج من الأنف من مخاط يابس ونحوه فإذا كان رطباً فهو ذنين . ( 2 ) ( ) « د » : فينتفه . ( 3 ) ( ) كذا في الأُصول . ولعله : يتلبد .